حيدر حب الله
66
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
والحصيلة التي نخرج بها من دراسة الحكم التكليفي للنقل بالمعنى ، هي أنّ مبدأ النقل بالمعنى جائزٌ ولا دليل على حرمته ، بل الدليل دالّ على جوازه ، وأما النقل بالمعنى في باب السنّة النبويّة و . . فقد دلّ أكثر من دليل على جواز ذلك وعدم حرمته ، وما دلّ على التحريم لم يثبت بقول مطلق ، فالصحيح جواز النقل بالمعنى بشروطه ، سواء للحديث الشريف أم لغيره ، إلا إذا كانت هناك حالة خاصة لها عنوان خاص ، وبهذا يتبيّن أيضاً جواز ترجمة الحديث وغيره . وإن كنّا نميل للاحتياط الأكيد بالنقل باللفظ عند إمكانه وعدم تعسّره ، ونصب قرينة النقل بالمعنى ولو العامّة ، عند عدم التمكّن من النقل باللفظ ، هذا كلّه في عصور الرواية خاصّة ، أو في ظروف مشابهة لها . وممّا تقدّم يظهر الموقف من بعض التفصيلات ، مثل التفصيل بين مقام التحديث والرواية ومقام الإفتاء والمناظرة كما قاله ابن حزم في الإحكام « 1 » ، أو التفصيل بين كون مضمون الحديث حكماً شرعياً وبين أن يكون مسألة علميّة كالعقائد ، فيجب اللفظ في الأوّل دون الثاني ، كما نقل السمعاني « 2 » . فإنّ التمييز بين مقام الرواية ومقام الإفتاء ، إذا كان من جهة أنّ نفس المقام قد يكون قرينة على إرادة نقل المضمون أو اللفظ ؛ فإنّنا قلنا بأنّه مع شهرة النقل بالمعنى وجريان سيرة العقلاء وقيام النصوص على الجواز لا معنى للتمييز ، فكلّها مطلقة ، إلا إذا صار المقام بمثابة الشرط والتعهّد بالنقل باللفظ كما بيّنا سابقاً . وكذلك الحال في التفصيل بين الحكم الشرعي وغيره ، فهو غير واضح ؛ ولعلّ منشأه تلك النزعة الفقهيّة الموجودة عند بعض العلماء المسلمين الذين صوّروا الفقه أخطر وأشرف وأهم ما في الدين ، متساهلين في أمر العقيدة والأخلاق والتاريخ و . . وإلا فالأمور العقائديّة أكثر دقّةً وخطراً - في بعض الأحيان على الأقلّ - من مسائل الفقه و . .
--> ( 1 ) الإحكام 2 : 205 - 206 ؛ وتوجيه النظر 2 : 384 . ( 2 ) توجيه النظر 2 : 380 - 381 .